محمد حسين الذهبي
53
التفسير والمفسرون
في هذا المقام من كليات تلك الوجوه بعض ما يستفاد من أخبار الأئمة الأطياب ، ونرفع عن وجوه الآيات لطالب تأويلها الحجاب ، ونكشف عنها النقاب ، تبصرة لمن أراد التبصر من أولى الألباب . وأما إحاطة العلم بالجميع ، فهي للراسخين في العلم ومن عنده علم الكتاب . . . كما سيظهر في الفصل الأخير . فاعلم أنه يمكن تبيين المرام في هذا المقام من وجوه وإن أمكن إرجاع بعضها إلى بعض ، ثم ساق وجوها خمسة يرجع بعضها إلى بعض كما قال ، فكان مما ذكره في الوجه الرابع ما جاء في البصائر عن نصر بن قابوس قال ، سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن قوله عز وجل ( وَظِلٍّ مَمْدُودٍ * وَماءٍ مَسْكُوبٍ * وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ * « 1 » قال يا نصر إنه ليس حيث يذهب الناس إنما هو العالم وما يخرج منه . ثم قال المولى قال : شيخنا العلامة - رحمه اللّه - لعل المعنى ليس حيث مذهب الناس من انحصار جنة المؤمنين في الجنة الصورية الأخروية ، بل هم في الدنيا أيضا ببركة أئمتهم عليهم السلام جنات روحانية من ظل حمايتهم ولطفهم الممدود في الدنيا والآخرة . وماء مسكوب من علومهم الممتعة التي بها تحيى النفوس والأرواح ، وفواكه كثيرة من أنواع معارفهم التي لا تنقطع عن شيعتهم ولا يمنعون منها ، وفرش مرفوعة مما يتلذذون به من حكمهم وآدابهم بل لا يتلذذ المقربون في الآخرة أيضا في الجنان الصورية إلا بتلك الملاذ المعنوية التي كانوا يتنعمون بها في الدنيا كما تشهد به الأخبار - انتهى كلامه أعلى اللّه مقامه ، فتأمل ولا تغفل عن جريان مثله في ساير نعم الجنة ، مثل أنهار الخمر وأمثالها ، كما يشهد له ما سيأتي في الأنهار واللبن من تأويل اللبن والخمر بعلوم الأئمة عليهم السلام . وسيأتي في الجنة والنار وما بمعناهما من تأويل الأولى بولاية الأئمة ، والثانية بعداوتهم . وأمثال هذه التأويلات كثيرة ينادى بها كثير من الأخبار في الترجمات الجائية المناسبة لها فافهم .
--> ( 1 ) الآيات ( 30 - 23 ) من سورة الواقعة .